أحمد بن علي القلقشندي

195

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قد عرف مولانا وفّقه اللَّه ووقفه على منهج الرّشاد ، أنّ جناية الغضب الذّميم ، تقدح في كرم الجنث ( 1 ) الكريم ، وأنّ قبيح الصّلف ، ينسخ تليد الشّرف ، وخبيث الذّرّية ، يعفّي على طيب المناحت الزّكيّة ، وأنه ليس لمن تحلَّى بالظَّلم والجور ، وتلبّس بالنّكث والغدر ، وسامح نفسه باطَّراح الحقوق ، واستيطاء العقوق ، إلَّا إضاعة الحرم ، وإخفار الذّمم . المعاتبة من كلام المتأخرين : الشيخ شهاب الدين محمود ( 2 ) الحلبي : يقبّل الأرض وينهي أنه قد صار يرى قربه أزورارا ، وطويل سلامه اختصارا ، ويغالط في ذلك حتّى شاهده عيانا مرارا ، هذا وبكر الولاء ، صقيلة الجلباب ، وعروس الثناء ، جميلة البزّة حسنة الشّباب ، وهو لا يفتأ من الموالاة في صعد وقدره في صبب ، فكلَّما مكَّن وتد الاستعطاف يرجو عدم تخلخله فصل بأيسر سبب ، بحيث أطفأ الإهمال نار المساعفة والمساعدة ، وانتقل توهّم عدم العناية إلى تيقّن وجوده بالمشاهدة ، وقد كان يرفع قدره فخفض ، وعوّض في الحال عن الرّفع بالابتداء ، أنه مفرد وينصب كالنكرة في النّداء ، وأهمل حتّى صار كالحروف لا تسند ولا يسند إليها ، وألغي حتّى شابه ظننت إذا وقعت متأخّرة عن مفعوليها ، ومتى يقلق لأمر ، أنشد نفسه ( كامل ) : ما في وقوفك ساعة من باس ( 3 ) . وكان يغشى مجلسه الكريم خدمة وأداء للواجب ، وطلبا لعادة أكَّدها

--> ( 1 ) حنث الإنسان : أصله . لسان العرب والقاموس المحيط ، مادة ( جنث ) . ( 2 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 2 ص 18 من هذا الجزء . ( 3 ) هو صدر بيت لأبي تمام ، وهو مطلع قصيدته السينية الَّتي قالها في مدح أحمد بن المعتصم ، وعجزه : نقضي ذمام الأربع الأدراس ومنها : إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلَّم أحنف في ذكاء إياس أنظر ج 2 من هذا المطبوع ص 290 وديوان أبي تمام ( ج 2 ص 242 ، 249 ) .